محمد بن أحمد الفرغاني
41
منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض
والحركات والسّكنات الوجودية ، والنهي المعين طريق الرجوع من عين الكثرة إلى الوحدة أقمت من باطني الذي هو عين الوحدة على الحسن ، يعني الحواس الخمس سمعا وبصرا وذوقا ولمسا وشمّا ، هذه الحدود من الأحكام الشرعية الراجعة جميعها إلى هذين الأصلين ، وهما الأمر والنهي ، لئلا يميل الحس عن الصراط المستقيم الذي تبيّن بالأمر والنهي إلى السبيل المتفرّقة المفرّقة على متابعة الهوى والطبع وغواية الشيطان ، وهذا معنى قوله عزّ وجلّ : وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ [ الأنعام : الآية 153 ] ، فالحدود التي أقيمت على الحس هي بتعيّن هذا الصراط المستقيم الذي هو الشرع القويم . وقد جاءني منّي رسول ، عليه ما عنتّ ، عزيز بي ، حريص لرأفة المعانتة كالمعاندة ، لكن المعانتة أبلغ لأنها معاندة فيها خوف هلاك ، يقال : عنت فلان إذا وقع في أمر يخاف منه التلف ، ويقال : عزّ عليّ كذا ، أي صعب ، والحرص : فرط الشره والإرادة ، والرأفة : اللطف رحمة باطنه منبعثة من الحب والعناية تثير الميل إلى الإعانة وإزالة المكاره ، والضمير في عليه عائد إلى الرسول ، وحرف على متعلقة بعزيز ، وبي متعلقة برأفة ، وما موصولة صلتها عنت ، ولام لرأفة بمعنى إلى متعلّقة بحريص يتضمن معنى الميل ، وياء جاءني ضمير تلك الحضرة المحبوبية من حيث تفرقة جمعها وتفصيل نسب واحديتها الظاهرة بصورة المدعوين كلهم ، وكذا ياء بي ، وأما ياء مني فهي ضمير تلك الحضرة لكن من حيث جمعيّتها أحدية جمع ، وأراد بالرسول الحقيقة الأحمدية المحمّدية من كونها نبيّا رسولا وآدم بين الماء والطين ، وجميع الرسل والأنبياء وقومهم ، بل كل تعيّن من الوجود ظاهرا وباطنا كان مدعوّا وهي ساعية إلى الكمالات المراد ظهورها بهم ، وهي هاد بهم إلى سبيلها لكونها رحمة للعالمين . يقول : وقد جاء رسول عام الرسالة متعيّن من حضرة أحدية جمعي وحضرة كمالي الذاتي أرسلته إليّ من حيث كون ذاتي ووجودي ظاهرا بصورة التفصيل ووصف قبول الظهور بوصف الكمال والنقصان ، وذلك الرسول الداعي لصورة تفصيلي إلى الظهور بوصف الكمال كانت بعثته بل خلقته متعيّنة من حضرة أحدية جمعي ، بل غيب غيبي ، وكان هذا الرسول من أخصّ أوصافه أنه يصعب عليه